الفيض الكاشاني
232
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
المنهيّ عنه الإفراط فيه أو المداومة عليه أمّا المداومة فلأنّه اشتغال باللَّعب والهزل واللَّعب مباح ولكن المواظبة عليه مذمومة ، وأمّا الإفراط فيه فإنّه يورث كثرة الضحك وكثرة الضحك تميت القلب وتورث الضغينة في بعض الأحوال وتسقط المهابة والوقار ، فما يخلو عن هذه الأمور فلا يذمّ كما روي عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أنّه قال : « إنّي لأمزح ولا أقول إلا حقّا » ( 1 ) ومثله يقدر على أن يمزح ولا يقول إلا حقّا ، وأمّا غيره فإذا فتح باب المزاح كان غرضه أن يضحك الناس كيف كان وقد قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّ الرّجل ليتكلَّم بالكلمة فيضحك بها جلساءه يهوي بها أبعد من الثريّا » ( 2 ) وقال بعضهم : من كثر ضحكه قلَّت هيبته ومن مزح استخفّ به ومن أكثر من شيء عرف به ، ومن كثر كلامه كثر سقطه ، ومن كثر سقطه قلّ حياؤه ومن قلّ حياؤه قلّ ورعه ، ومن قلّ ورعه مات قلبه ، ولأنّ الضحك يدلّ على الغفلة عن الآخرة قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « لو علمتم ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا » ( 3 ) . وقال رجل لأخيه : يا أخي هل أتاك أنّك وارد النّار ؟ قال : نعم ، قال : فهل أتاك أنّك خارج منها ؟ فقال : لا ، فقال : ففيم الضحك ؟ قال : فما رئي ضاحكا حتّى مات . ونظر بعضهم إلى قوم يضحكون في يوم فطر فقال : إن كان هؤلاء غفر لهم فما هذا فعل الشاكرين وإن كان لم يغفر لهم فما هذا فعل الخائفين . وقال آخر لنفسه : أتضحك ولعلّ أكفانك قد خرجت من عند القصّار . وقال ابن عباس : من أذنب ذنبا وهو يضحك دخل النار وهو يبكي . فهذه آفات الضحك فالمذموم منه أن يستغرق ضحكا والمحمود التبسّم الَّذي ينكشف فيه السنّ ولا يسمع الصوت ، وكذلك كان ضحك رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ( 4 ) .
--> ( 1 ) أخرجه الطبراني في الصغير من حديث ابن عمر كما في مجمع الزوائد ج 8 ص 89 . ( 2 ) تقدم آنفا . ( 3 ) أخرجه ابن ماجة تحت رقم 4191 عن أنس وأحمد ج 2 ص 257 عن أبي هريرة . ( 4 ) أخرج الترمذي في الشمائل ص 16 عن عبد اللَّه بن حارث قال : « لما كان ضحك رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله إلا تبسما » .